علي بن أبي الفتح الإربلي
375
كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )
وحسن طاعة عليّ عليه السلام وسكوته مرّة بعد مرّة ، مع شدّة حرصه على الجهاد ومعرفته بما أعدّه اللَّه فيه من الأجر وميله إلى الذبّ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقوّة باعثه على الشجاعة الّتي ينطوي عليها ، وفي بعض هذه الدواعي ما تخّف له حصاة الحليم ، وتدخل به الشبهة على الحكيم ، ولكنّه صلى اللَّه عليه الجبل الراسخ ، والطود « 1 » الشامخ ، الّذي لا تزعزعه « 2 » العواصف ، ولاتقلقله الرواجف ، وهو واقف عند أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم عنه يصدر وعنه يرد ، وبه يأخذ وعليه يعتمد . ثمّ لمّا ذهب أبو سفيان بقريش خائباً ، ورجع إلى وجاره بجمعه « 3 » هارباً ، قصد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه بني قريظة ، لموافقتهم الأحزاب ، ومظاهرتهم قريش وأولئك الأوشاب ، وسلّم رايته إلى عليّ عليه السلام وتبعه النّاس ، وجاء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وفتح اللَّه حصونهم ، وأزال مصونهم ، وأباحه أبكارهم وعونهم ، وأنزلهم اللَّه كما قصّ من صياصيهم ، ومكّنه من دانيهم وقاصيهم ، وقذف الرعب في قلوبهم مطيعهم وعاصيهم ، وعمّهم القتل والأسار ، واستولى عليهم في الدنيا القتل والأسر ، ولهم في الأخرى النار ، وأورث اللَّه المؤمنين أرضهم وديارهم ، وأطفأ نور الإسلام نارهم ، وأقرّهم على الجزية وسلب قرارهم . قال المفيد رحمه الله : فصل في غزاة بني النضير [ وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لمّا حاصرهم ] عمل على حصارهم فضرب قبّته في أقصى بني حُطَمَة ، فرماه رجل من بني النضير في الليل بسهم فأصاب القبّة ، فأمر صلى اللَّه عليه وآله وسلّم فحولّت قبّته إلى السفح ، وأحاط به المهاجرون والأنصار ، فلمّا اختلط الظلام فقدوا عليّاً فعرّفوه ذلك ، فقال : « أراه في بعض ما يصلح شأنكم » ، فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الّذي رمى القبّة ، واسمه عَزْوراء ، فطرحه بين يدي رسول اللَّه ، فقال : « كيف عملت به » .
--> ( 1 ) الطود : الجبل العظيم . ( 2 ) الزعزعة : تحريك الشيء . ( الصحاح ) . ( 3 ) ق : « ورجع بجمعه إلى وجاره » .